Wednesday, October 21, 2026

أهمية التّربية الإسلاميّة، وأثرها في الفرد والمجتمع

، مقال الرأي

بقلم الأستاذ/ *محمد داود ماني* ، كاتب وباحث غامبي. 

الحمد للّه الّذي بيده التّشريع، وإليه التّحكيم، يشرع ما يشاء، ويحكم ما يريد، وهو العليم الحكيم؛ أشهد أنّه الوحيد المستحق لجميع أنواع العبادات، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله؛ صلی الله عليه وعلی آله وصحبه مصابيح الدُّجی وغُرّ الميامين، وسلّم تسليما كثيرا. أما بعد: فهذا بحث متواضع في أهميّة التّربية الإسلاميّة، وأثرها في الفرد والمجتمع، و نعني بها تربية الأولاد وَفق الشّريعة الإسلامية؛ و ذلك لأنّ الأولادَ منهم تتكوّن الأجيالُ، وبهم تتحقق نجاةُ مستقبل تلك الأجيال من الغَوص في الحضارات الغربية الزائفة، ولذا تترتّب علی الإهمال في تربيّتهم إضاعةٌ للأجيال القادمة؛ و هذا البحث سيتناول عدة مباحث، المبحث الأوّل؛ تعريف التّربية الإسلاميّة لغة واصطلاحا، أهميّتها في المجتمع الإنسانيّ قبل الإسلاميّ، آفات التّخلي عن التّربيّة الإسلامية، ثمرات الاعتصام بالتّربية الإسلاميّة. المبحث الأول. -1 *تعريف التّربية الإسلامية لغة واصطلاحا* التّربيّة لغة: مصدرٌ من الفعل ربّی يربّي، أي نشّأ ونمّی. واصطلاحا: أيّ الإسلاميّة: "تنشئةُ وتكوينُ إنسانٍ مسلمٍ متكاملٍ في جميعِ نواحيهِ المختلفةِ من النَّاحيةِ الصّحيّةِ، والعقليّةِ، والرّوحيّةِ، والأخلاقيّةِ، والإداريّةِ، في جميعِ مراحلِ نمُوِّهِ علی ضَوء المبادئ والقِيَم الّتی أتی بها الإسلامُ، وفي ضَوء أساليبِ التّربيّةِ الّتی بيّنها". د. مقداد يالجن: [أهداف التربيّة الإسلاميّة وغايتها] ص/54. وهذا هو التّعريف الاصطلاحيّ المشهور للتّربيّة، والّذي تناول أنواع التّربيّة الإنسانيّة والإسلاميّة كافّة، وهو المُعوَّل عليه أيضا لدی الكثيرين من المُولَعين بهذا الفنّ لشُموليّته. إذًا، معنی التّربية الإسلامية اصطلاحا بكل اختصار؛ تعنی تغذيةَ الإنسان المسلم، واعتناءً بصحّته، وتهذيبَ نفسِه وغرسَ الأخلاق الفاضلات فيه، من أوّل مرحلة طفولته إلی ما قبل أرذل العمر؛ لأنّ ما بعد أرذل العمر يكون فيه الإنسانُ فاقدا وعيَه-بناءً علی الأصل- حيث يصدر منه الفعلُ خارجَ إرادته؛ قال تعالی: ﴿ومِنكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَی أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ الحج/جزء من الآية٤۝. وكان النبي ﷺيستعيذ بالله من سوء الكبر؛ أي أن يصل إلی أرذل العمر. المبحث الثاني. -٢ *أهميّة التربية الإسلامية في المجتمع الإنساني قبل الإسلامي*. والمعلوم أنّ التّربيّةَ هي الأساسُ المتينُ لتكوين نموّ الإنسان وتقويمِ سلوكياته، و غَرس الإنسانيّات فيه قبل الإسلاميات ذلك قبل الولادة؛ لأنّ التّربيّة تبدأ في البطن حين يكون الإنسان جنينا في بطن أمّه، يتربّی فيه بأمر الله ثم بعون والديه، و قد ثبت ذكرُ مرحلة قبل الولادة في الكتاب والسّنة؛ والذي دلّ علی اعتناء الإسلام بالجنين في هذه المرحلة؛ ولأنّ الله لا يذكر شيئا إلا لحكمة؛ قال تعالی﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ وَ إِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَیٰ﴾النجم/جزء من آية١٣۝.و في الحديث ﴿إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَومًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُبْعَثُ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: يَكْتُبُ رِزْقَهُ، وَعُمُرَهُ، وَعَمَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ﴾متفق عليه من حديث بن مسعودٍ رضي الله عنه. مختصراً. فالحاصل أنّ التّربيّة تبدأ حين يكون الجنين في البطن حسّيًّا و معنويًّا؛ أيّ بتغذّي الجنين بواسطة الأمّ؛ حيث إنّ غِذاءَ الجنينِ في مأكل الأمّ ومشربها، ولذا يلزم الأمَّ الأكلُ من أطيب المأكل والمشرب؛ لأنّ نموَّ الجنين ورشاد عقله مرتبطان بهما، وأمّا صلاحه؛ فبالدّعاء الثّابت عن النّبيﷺ في قوله: ﴿لو أنّ أحدَكم إذا أراد أن يأتي أهلَه قال: بسم الّله الّلهم جنّبنا الشّيطانَ و جَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا فَإِنَّهُ إنْ قُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أبَدًا﴾صحّحه الألباني في إرواءالغليل [ج٧-الصفحة٧٥]. وأن تكون الأمُّ ملتزمةً بأداء الواجبات، من صلاة، وصيام إن قدرت عليه، وتلاوةً لكتاب الّله، وغير ذلك من العبادات؛ لأنّ صلاحَ الوالدين يؤثّر في الولد سيّما الوالدة، و قد أثبتت الدراسات"علم النفس" أنّ حالات النّفسيّة عند الأمّ؛ كالاكتئاب، والغضب، قد يؤثّر في كيان الجنين، وسلوكيّاته، و قد يؤثّر فيه أيضا استماعُ الأمّ إلی الأغاني، ومشاهدتها للأفلام الماجنة؛ ولذا كانت هذه المرحلةُ خطيرةً جدًّا؛ و كأنّ صلاح الولد وطلاحه ينشآن فيها، ولهذا عُني الإسلامُ أيّما عِنايةٍ بهذه المرحلة التّكوينيّة والتّطويرية للإنسان، لأن لا يصير عُرضةً لإغواء الشّيطان. *مشروعيّة الدّعاء لصلاح الولد قبل الولادة*. إن الدّعاء لصلاح الولد قبل ولادته هو سنّة الأنبياء والمرسلين عليهم الصّلاة والسلام، وذلك لعلمهم بما للدعاء من تأثير إيجابيٍّ في صلاح الولد، قال تعالی حكاية عن نبيّه زكريّا عليه الصّلاة والسلام: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعآءِ﴾ آل عمران٧٣۝. وقال عن نبيّه إبراهيم عليه الصّلاة والسّلام: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾؛ وفي المقابل ﴿فَبَشَّرْنَاه بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ الصّآفّات ٩٩۝-١٠٠۝؛ بل إنّ الدّعاء لصلاح الولد من دأب صالحي المؤمنين قال تعالی: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ واجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ الفرقان ٣٧۝. *المرحلة بعد الولادة*. و في هذه المرحلة يظهر صلاح الولد أو عدمه، يعني كونه ولدا صالحا أو سيّئًا، و هي بداية الرحلة إلی دار الآخرة أيضًا، و فيها تتحقّق للإنسان سعادتُه أو شقاوتُه-والعياذ بالله-و الوسيلة إلی تحقيق ذلك هو الأبُ والأمُّ، ويؤكد ذلك قولهﷺ: ﴿كُلُّ مَوْلودٍ يُولَدُ عَلی الفطْرَةِ، فَأَبَواهُ يُهوّدانِه، أو يُنصّرانِهِ، أو يُمَجّسانِهِ، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ تُنتَجُ البَهِيمةَ هَلْ تَری فِيها جَدْعَاء﴾أخرجه البخاريُّ ومسلم،من حديث أبي هريرة رضي الّله عنه؛ ولذا يجب علی الوالدين الاستعدادُ التّامُّ لتربيّة أولادهما وَفْق الشّريعة، ولا تأخذهم فيها لومةُ لائمٍ؛ لأنّهم المسؤولون عن أولادهما يوم القيامة، وذلك لما ثبت عن النّبيﷺ: ﴿كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ: الإِمَامُ رَاعٍ وَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي في أَهْلِهِ و مَسؤُولٌ عَنْ رعِيَّتِهِ، وَالْمَرْءَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيْدِهِ وَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ﴾ رواه البخاري من حديث بن عمر رضي الَّلهُ عنه. المهمّ أنّ الوالدين يؤدّيان دورًا كبيرا في تربيّة أولادِهما، وذلك بتعليمهم أحكام الشّريعة، وأعرافَ قبيلتهم إن وافقت الشّريعةَ، وإن وُجد فيها ما يخالف الشريعةَ حُذّر منها، ويكون العِلمُ بها من باب التّحذيرِ منها. المبحث الثالث. -٣ *آفات التّخلي عن التّربية الإسلامية*. إنّ المتأمّلَ والنّاظرَ في مجتمعاتِنا الإسلاميّة يدرك انتكاساتٍ تربويّةً لَاحَتْ في أوساطِ كثيرٍ من الأُسَر، والّتي نتجت إلی التّساهل في تعليم الأولاد، وتأديبهم وَفْق الآداب الإسلاميّة؛ بل إن الأغلبيّةَ من النّاس اليوم يعتبرون تأديبَ الأولاد وتربيّتهم وَفقَ الإسلام تخلفًا، ولا يسعُهم إلا التّخلّقَ بأخلاق الغربيّين ومناهجِهم في تربيّة أولادِهم. وإنّ الإسلامَ قد أتی بما هو أفضلُ للبشريّة علی الإطلاق، في جميع شؤونهم، من أحكام و عبادات، و معاملات، وآداب، مبيَّنةٍ ومفصَّلةٍ في كتاب المولی عزّ وجلّ و سنّة رسوله ﷺ ، قال تعالی: ﴿ لَقَدْ أنزلنآ إلَيْكُمْ كِتاَبًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾أي فيه كل ما يحقّق لكم شرفَكم في الدّين والدّنيا؛ و من ذلك ما ثبت في حديث سلمان قال: ﴿قِيلَ لَهُ قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّی الْخِرَاءَةَ قَالَ فَقَالَ أَجَلْ نَهَانَا أَنْ نستَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنجِيَ بِالْيَمِينِ أَوْ أَنْ نَسْتَنجِيَ بِأَقَلِّ مِنْ ثَلَاثَةِ أحْجَارٍ أَوْ أَنْ نَسْتَنجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعِظَمٍ﴾ و قوله: {الخِراءة} بمعنی آدابَ قضاءِ الحاجة؛ وانظر إلی هذه الآدابِ الإسلاميّةِ العظيمةِ التي أرشد إليها النّبيُّﷺأمتَه، فأيُّ الآداب أفضلُ من هذه؟. وقد جاء الإسلامُ أيضا بمناهجَ ناجعةٍ في تربيّة الأولاد، ومن ذلك ما ثبت عن النّبيﷺ: ﴿مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَ هُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَ هُمْ أَبْنَاءُ عَشْرَ سِنِينَ،و فَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ﴾صحّحه الألبانيُّ في صحيح أبي داود[495] من حديث عبد الّله بن عمرو رضي الّله عنه؛ فلم يشدّد عليهم في سبع السّنين؛ بل شرع للأولاد الصّلاةَ لسبع سنينَ علی وجه التّدريب، و في الحديث لطفُ الإسلامِ بالأولاد، وعنايتُه بتربيّتِهم وتأديبِهم، وغرسُ الأخلاق الفاضلة فيهم بتفريقه بين البنينَ والبناتِ في المضاجع في عَشْر السّنين؛ لأنّه سنّ مراهقتهم ونموّ شهواتهم، والذي قد يؤدي إلی الإثارة الجنسيّة-والعياذ بالله- لو تُركوا بغير تفرقةٍ، و هذا معلومٌ و معتبَرٌ شرعا وعقلا، وإن خالفه من خالفه من الغربيّين والذين يتأسّون بهم من المسلمين المفلسين. ولمّا أعرض الكثيرون من المسلمين عن تربيّة أولادهم وَفْق الشّريعة الإسلامية تكاسُلًا وإهمالا، ساءت أخلاقُ كثيرٍ من أولادهم، فصاروا يتعلمون السّبَّ والشّتم في سنٍّ مبَكّرةٍ من أولياء أمور بعضهم، ثم ينطلقون انتقالا مع الشّتم والسّبّ إلی التّدخين، وتعاطّي المخدّرات، ومشاهدةِ الأفلام الإباحيّة المحرّمة، والاستماع إلی الأغاني، وبعضهم تمضي عليهم الشُّهورُ بدون أن تطأ أقدامُهم ترابَ مدارسهم، فتأتي الاختباراتُ و قد رسبوا في جميع الموادّ، و يكون ذلك آخرُ عهدِهم بالدّراسة، ثمّ لا يجدون ولا يرون حِرفةً ولا عملًا يحقّق لهم كرامتَهم سوی الاتجارِ بالمخدرات أو العمل كمتدرِّبٍ علی السّيّارة"apprentice"-و هذا ليس تعييبًا علی هذه الحرفة؛ بل هو مجرّد الإخبار عن الواقع-٬ و قد فسدت أخلاقهم إلی درجةٍ لا يفرّقون بين كبير و صغير في المعاملة؛ أليس هذا هو الواقع؟؟؟ -والعياذ بالله- فمن هم المسؤُولون عن هذه الظّواهر يا تُری؟ لا شك أن الوالدين هما المسؤولان عن هذا يوم الحساب؛ إذ فشلوا في تربيّة أولادهما منذ أن كانوا صِغارًا؛ بل كانوا يقولون لمن عاتبهم وأنّبَهم عن تصرّفٍ غيرِ لائقٍ؛ دعْهم فإنّهم صِغارٌ سوف يتركونه عند البلوغ، هيهات هيهات لما يقولون!! وما نشاهده اليوم من سوء التّصرّف في المعاملات، كالبيع، والإجارة، وسوء الإدارة في المكاتب من المؤسّسات الحكوميّة، والجمعيّات، كلّ هذه المآسي، أصلها الأصيلُ هو سوءُ التّربيّة، والبعدُ عن الدّراسات الإسلاميّة وتطبيقُها في كلّ مجال الحياة. كيف تسعدُ جيلٌ نبذوا التّربية الإسلاميّة وراء ظهورهم، واشتروا بها ثمنا قليلا؛ فبئس ما يشترون. ولا تزال المآسي تنزل بنا ما لم نرجع إلی التّربيّة الإسلاميّة الصّحيحة، وأصول التّربيّة علی حَسَب أعرافنا الموروثة من الأجداد، فقد كانوا يُربّون أولادهم تربيّة إسلاميّة و تقليديّة علی حسَب مناهجهم المُوَافِقَة للشّرع؛ منهم من يرسلون أولادَهم إلی القری المجاورة للتعلّم والتّأدّب، و منهم من إذا ارتكب ولدٌ جريمةً يعاقبه بدون أن يَعرفَ من هو أبوه، و هذا الفعل منهم من باب التّعاون علی البرّ وقد قال تعالی:﴿وَ تَعَاوَنُوا عَلَی الْبِرِّ والتَّقْوی وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَی الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ المائدة جزء من الآية١۝. أمّا نحن إذا ارتكب الولدُ جريمةً وضربه أحدٌ تأديبًا له، فيكاد أبواه ينفجران غيظا، وهذا أقلّ ردّة فعلهم، والّله المستعان. المبحث الرابع والأخير. ٤- *ثمرات الاعتصام بالتربيّة الإسلاميّة*. وما تُنتجه التّربيّةُ الإسلاميّةُ من الثّمار اليانعة لأهلها لا تُعدّ ولا تُحصی، ومن ذلك أنّها مِفتاح السّعادة في الدّنيا والآخرة؛ حيث إنّ الإسلامَ يهدي للّتي هي أحسنُ من العبادات، والأحكام، والآداب، وحُسن التّعايش مع الآخرين، حتّی لو كانوا كفّارا، كما في قوله تعالی: ﴿وإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّی يَسْمَعَ كَلَامَ الَّلهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ التّوبة ٦۝. وهذا هو منتهی العدل والإنصاف، وأرْوَعُ مظاهرِ التّعامل مع غيرِ المسلمين. فالحاصل أنّ غاية التّمنهج بنهْج التّربيّة الإسلاميّة هي غرسُ الأخلاق الفاضلة النّبيلة، والصّفات الحميدة في نفوس أفراد المجتمعات؛ بحيث يصيرون معها إلی حيث تيمّموا غربًا وشرقًا، ولا يستمسك أحدٌ بالآداب الإسلاميّة، فيكون سببًا في خِذلانه وشقاوته أبدا؛ لأنّ الّله عزّ وجلّ هو أعلم بما يَصلُح لعباده في الدّنيا والآخرة، ويؤكّد هذا قوله تعالی: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وهُوَ الَّلطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ الملك ٤١۝. فلا يأتي قوم بأفضلَ ما أتی به الإسلامُ، لأنّ ما جاءو به اختراع من عند أنفسهم، وما جاء به الإسلامُ وحيٌ من الله عزّ وجلّ. *ومن ثمرات التّربية الإسلاميّة*: - أنها تُقوّي عُری الصّداقة بين أفراد المجتمعات، وتُخلِّد الوئامَ والمحبّةَ بينهم، فتدوم أخوّتُهم وصداقتُهم وإن كانوا مختلفين في الآراء والأفكار. *ومن ثمرات التّربيّة الإسلاميّة*: - أنّها تُؤهّل الوالدين الاحتظاء بصدقة جارية من قبل ولدهما الصّالح؛ وذلك لما ثبت عن النّبيﷺ من حديث أبي هريرة رضي الّله عنه: أن النّبي ﷺ قال: ﴿إِذَا مَاتَ الإنسانُ انقَطعَ عَمَلُه إلّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إلا من صَدَقَةٍ جَاريَةٍ، أو علمٍ يُنتفَعُ بِهِ، أو وَلَدٍ صَالحٍ يَدْعُو لهُ﴾ رواه مسلم. *و من ثمرات التّربية الاسلاميّة* :- أنها سببٌ في برّ الولد لوالديه؛ و ذلك نتيجة تربيّة الولد تربية إسلاميّة؛ و ذلك لأنّ الإسلام بيّن حقوق الوالدين، وما يترتّب عليها من ثواب و عقاب للعاقّ لوالديه، ومن ذلك قوله تعالی: ﴿وَوَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِليَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ سورة العنكبوت ٨۝ و في الحديث عن النّبيﷺ قال: ﴿ ألا أُنبّئُكُم بِأكبَر الكبائر قُلنا: بلی يَا رَسُولَ الّلهِ، قال: الإشراك بالله، وعُقُوقُ الْوالِدَيْنِ ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: أَلَا وَ قَوْلُ الزُّور، وشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ فَمَا زَالَ يَقُولُهَا، حَتَّی قُلْتُ: لَا يَسْكُتُ﴾ صحيح البخاري من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث. *ومن ثمرات التّربية الإسلاميّة*: - أنّها سبب في أمان المجتمع من رذائل الأخلاق؛ كالسرقة، وإرهاق النفس، وأكل أموال الناس بالباطل؛ بالرّشوة وغيرها، ونهب أموال العامّة، واتّهام النّاس كذبا وبهتانا، والتّشهير بخيارهم بُغيةَ ازدرائهم في أعين الآخَرين، وغيرها من الأخلاق الفاسدة المدمّرة لبِنيةِ المجتمع؛ لأنّ الإسلام قد بين فسادَ وقُبحَ هذه الصّفات الدّنيئة، وما يترتّب علی المتلبّس بها من عقوبةٍ مؤلمةٍ، ولا يتمّ تطهير المجتمع من هذه الرّذايا إلّا بالتّربية الإسلاميّة الصحيحة. فالحاصل أنّ التّربيّةَ الإسلاميّةَ هي الحلّ الوحيد لإصلاح المجتمعات، وإصلاح أحوال أفرادها، والسبب الرئيسي في جعل مستقبلات أولادها مشرقةً، وتجعلهم ممّن لا يرفعون رأسًا لمنهجٍ غربيٍّ جائرٍ في التّربية. والله أعلم. هذا، والله أسأل أن يوفقنا الإخلاص في القول والفعل، وأن يرزقنا العمل والتأدّب بالآداب الإسلامية، وصلّ اللهُمّ وسلّم علی نبيّنا وآله وصحبه ذوي التّقی، وسلِّم تسليما كثيرا.   الناشـر/ *مجلة النهضة الثقافية بغامبيا* تاریخ النشر/ 24-9-202